الشيخ عبد الله البحراني
418
العوالم ، الإمام محمد الباقر ( ع )
بسم اللّه الرحمن الرحيم أمّا بعد ، فقد جاءني كتابك تذكر فيه معرفة ما لا ينبغي تركه ، وطاعة من رضا اللّه رضاه ، فقبلت من ذلك لنفسك ما كانت نفسك مرتهنة لو تركته تعجب ؛ إنّ رضا اللّه وطاعته ونصيحته لا تقبل ولا توجد ولا تعرف إلّا في عباد غرباء أخلاء من الناس ، قد اتّخذهم الناس سخريّا لما يرمونهم به من المنكرات ، وكان يقال : لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون أبغض إلى الناس من جيفة الحمار « 1 » ، ولولا أن يصيبك من البلاء مثل الذي أصابنا ، فتجعل فتنة الناس كعذاب اللّه - وأعيذك باللّه وإيّانا من ذلك - لقربت على بعد منزلتك . واعلم - رحمك اللّه - أنّه لا تنال محبّة اللّه إلّا ببغض كثير من الناس ، ولا ولايته إلّا بمعاداتهم ، وفوت ذلك قليل يسير لدرك ذلك من اللّه لقوم يعلمون . يا أخي ! إنّ اللّه عزّ وجلّ جعل في كلّ من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلّ إلى الهدى ، ويصبرون معهم على الأذى ، يجيبون داعي اللّه ، ويدعون إلى اللّه فأبصرهم - رحمك اللّه - فإنّهم في منزلة رفيعة ، وإن أصابتهم في الدنيا وضيعة ؛ إنّهم يحيون بكتاب اللّه الموتى ، ويبصّرون بنور اللّه من العمى ، كم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضالّ قد هدوه ، يبذلون دماءهم دون هلكة العباد ، وما أحسن أثرهم على العباد ، وأقبح آثار العباد عليهم . « 2 » * * *
--> ( 1 ) - قال الفيض في الوافي : 3 / 26 : المستفاد من قوله عليه السّلام : « تذكر فيه . . . إلى آخره » أن سعدا ذكر في كتابه أنّه عرف كذا ، وأنّه قبل منه لنفسه كذا ، وأنّه تعجب من كذا بأن يكون إلى قوله : « ومن جيفة الحمار » من كلام سعد . ويحتمل أن يكون فعجب أو تعجّب - على اختلاف النسختين - من كلام الامام عليه السّلام . وقوله « أخلاء » جمع خلو - بالكسر - وهو الخالي عن الشيء ، ويكون بمعنى المنفرد . ويقال : أخلاء إذا انفرد ، أي هم أخلاء عن أخلاق عامة الناس وأطوارهم الباطلة ، أو منفردون عن الناس ، معتزلون عن شرارهم . ( 2 ) - 8 / 56 ح 17 ، عنه البحار : 78 / 362 ح 3 ، والوافي : 3 / 25 ح 2 .